توفيق أبو علم

153

السيدة نفيسة رضي الله عنها

مسرورةً ، تفديها بنفسها ، وتسارع إلى تلبية ندائها وقضاء حاجتها « 1 » . وهؤلاء جيرانها وقد عرفوا برّها وعطفها ، فكانوا يودّونها ويثقون بها ، حتّى أُولئك الذين كانوا يخالفونها في دينها ، فهذه جارتها اليهودية لم تأمن على وحيدتها إلّاالشريفة السيدة نفيسة ، بالرغم من وجود جمهرة من اليهود أبناء شيعتها يجاورونها ، غير أنّها لم تر فيهم أحداً موضع ثقتها ، فتودع عنده فلذّة كبدها إلى أن تعود من حمّامها ، فلم تجد غير تلك الأمينة العطوفة ، فتركتها عندها ، فنالت من بركتها ممّا سيأتي في حينه . فالبرّ والعطف آيتان محبّبتان ، بهما تُملك القلوب وتُؤسر الأفئدة ، إلى ما رأيناه من إقبال الناس عليها ، فوق ما لمسوه من بركاتها ، وما عرفوه من نفحاتها . من بلد الرسول إلى القاهرة : ولدت السيّدة نفيسة بمكّة ، ثم انتقلت إلى المدينة بصحبة أبيها ، ولبثت بالمدينة إلى أن رُوِّعت بحبس المنصور لأبيها من سنة 156 ه إلى سنة 159 ه حين أخرجه المهدي من حبسه وردّ عليه ماله « 2 » . واستمرّت في المدينة ، وعاشت في ظلّ أبيها قريرةً مسرورة ، إلى أن تزوّجها إسحاق المؤتمن وبنى عليها في بيت أبيه بالمدينة « 3 » ، فعاشت ردحاً من الزمن ، فكانت تتشوّق لزيارة قبر أبيها الخليل إبراهيم عليه السلام . ثم زارت بغوطة دمشق : مقام السيّدة زينب بنت أُم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضياللَّه عنهم « 4 » ، ثم زارت قبر عمّتها فاطمة بنت الحسن بن علي رضي اللَّه عنهم ، إذ أنّها مدفونة بمغارة ، وعند قبرها رخامة مكتوب عليها : أسكنت من كان في الأحشاء مسكنه * بالرغم منّي بين التراب والحجر

--> ( 1 ) مجموعة آل بيت النبي : ص 79 . ( 2 ) راجع تاريخ بغداد : ج 7 ص 309 ، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم : ج 8 ص 294 ، وشذرات الذهب : ج 2 ص 21 . ( 3 ) انظر خطط المقريزي : ج 4 ص 325 . ( 4 ) انظر تحفة الأحباب : ص 105 .